فصل: قال الألوسي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وقوله: {في ظلمات ثلاث} قالت فرقة: الأولى هي ظهر الأب، ثم رحم الأم، ثم المشيمة في البطن. وقال مجاهد وقتادة وابن زيد: هي المشيمة والرحم والبطن، وهذه الآيات كلها هي معتبر وتنبيه لهم على الخالق الصانع الذي لا يستحق العبادة غيره، وهذا كله في رد أمر الأصنام والإفساد لها. ثم قال تعالى لهم: {ذلكم الله ربكم} وقد قامت على ذلك البراهين واتسقت الأدلة {فأنى تصرفون} أي من أي جهة تضلون وبأي سبب؟
{إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} قال ابن عباس: هذه الآية مخاطبة للكفار الذي لم يرد الله أن يطهر قلوبهم. وعباده: هم المؤمنون.
قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن تكون مخاطبة لجميع الناس، لأن الله تعالى غني عن جميع الناس وهم فقراء إليه، وبين بعد البشر عن رضى الله إن كفروا بقوله: {إن تكفروا}.
واختلف المتأولون من أهل السنة في تأويل قوله: {ولا يرضى لعباده الكفر} فقالت فرقة: الرضى بمعنى الإرادة واللام ظاهره العموم ومعناه الخصوص فيمن قضى الله له بالإيمان وحتمه له: وعباده على هذا ملائكته ومؤمنو البشر والجن، وهذا يتركب على قول ابن عباس. وقالت فرقة: الكلام عموم صحيح، والكفر يقع ممن يقع بإرادة الله، إلا أنه بعد وقوعه لا يرضاه دينًا لهم، فهذا يتركب على الاحتمال الذي تقدمك آنفًا. ومعنى: لا يرضاه لا يشكره لهم ولا يثيبهم به خيرًا، فالرضى على هذا هو صفة فعل لمعنى القبول ونحوه. وتأمل الإرادة فإنها حقيقة، إنما هي فيما لم يقع بعد، والرضى، فإنما حقيقة فيما قد وقع، واعتبر هذا في آيات القرآن تجده، وإن كانت العرب قد تستعمل في أشعارها على جهة التجوز هذا بدل هذا.
وقوله تعالى: {وإن تشكروا يرضه لكم} عموم، والشكر الحقيقي في ضمنه الإيمان.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو الكسائي: {يرضهُ} بضمة على الهاء مشبعة. وقرأ ابن عامر وعاصم {يرضه} بضمة على الهاء غير مشبعة، واختلف عن نافع وأبي عمرو. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: {يرضهْ} بسكون الهاء، قال أبو حاتم: وهو غلط لا يجوز، قال تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} أي لا يحمل أحد ذنب أحد، وأنث الوازرة والأخرى لأنه أراد الأنفس. والوزر الثقل، وهذا خبر مضمنه الحض على أن ينظر كل أحد في خاصة أمره وما ينوبه في ذاته.
ثم أخبرهم تعالى بأن مرجعهم في الآخرة إلى ربهم، أي إلى ثوابه أو عقابه، فيوقف كل أحد على أعماله، لأنه المطلع على نيات الصدور وسائر الأفئدة. و{ذات الصدور} ما فيه من خبيئة، ومنه قولهم: الذيب مغبوط بذي بطنه. اهـ.

.قال القرطبي:

قوله تعالى: {خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} يعني آدم عليه السلام {ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} يعني ليحصل التناسل وقد مضى هذا في الأعراف وغيرها.
{وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ الأنعام ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} أخبر عن الأزواج بالنزول، لأنها تكونت بالنبات والنبات بالماء المنزل.
وهذا يسمى التدريج؛ ومثله قوله تعالى: {قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا} [الأعراف: 26] الآية.
وقيل: أنزل أنشأ وجعل.
وقال سعيد بن جبير: خلق.
وقيل: إن الله تعالى خلق هذه الأنعام في الجنة ثم أنزلها إلى الأرض؛ كما قيل في قوله تعالى: {وَأَنزْلْنَا الحديد فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} [الحديد: 25] فإن آدم لما هبط إلى الأرض أنزل معه الحديد.
وقيل: {وأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ} أي أعطاكم.
وقيل: جعل الخلق إنزالًا؛ لأن الخلق إنما يكون بأمر ينزل من السماء.
فالمعنى: خلق لكم كذا بأمره النازل.
قال قتادة: من الإبل اثنين ومن البقر اثنين ومن الضأن اثنين ومن المعز اثنين كل واحد زوج.
وقد تقدّم هذا.
{يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِّن بَعْدِ خَلْقٍ} قال قتادة والسّدّي: نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظمًا ثم لحمًا.
ابن زيد: {خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ} خلقا في بطون أمهاتكم من بعد خلقكم في ظهر آدم.
وقيل: في ظهر الأب ثم خلقا في بطن الأم ثم خلقا بعد الوضع.
ذكره الماوردي.
{فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ} ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المَشِيمَة.
قاله ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة والضحاك.
وقال ابن جبير: ظلمة المَشِيمَة وظلمة الرَّحِم وظلمة الليل.
والقول الأول أصح.
وقيل: ظلمة صُلْب الرجل وظلمة بطن المرأة وظلمة الرَّحِم.
وهذا مذهب أبي عبيدة.
أي لا تمنعه الظلمة كما تمنع المخلوقين.
{ذَلِكُمُ الله} أي الذي خلق هذه الأشياء {رَبُّكُمْ لَهُ الملك لا إله إِلاَّ هُوَ}.
{فأنى تُصْرَفُونَ} أي كيف تنقلبون وتنصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره.
وقرأ حمزة: {إِمِّهَاتِكُمْ} بكسر الهمزة والميم.
والكسائي بكسر الهمزة وفتح الميم.
الباقون بضم الهمزة وفتح الميم.
قوله تعالى: {إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنكُمْ} شرط وجوابه.
{وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر} أي أن يكفروا أي لا يحب ذلك منهم.
وقال ابن عباس والسّدي: معناه لا يرضى لعباده المؤمنين الكفر، وهم الذين قال الله فيهم: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الإسراء: 65].
وكقوله: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله} [الإنسان: 6] أي المؤمنون.
وهذا على قول من لا يفرق بين الرضا والإرادة.
وقيل: لا يرضى الكفر وإن أراده؛ فالله تعالى يريد الكفر من الكافر وبإرادته كفر لا يرضاه ولا يحبه، فهو يريد كون ما لا يرضاه، وقد أراد الله عز وجل خلق إبليس وهو لا يرضاه، فالإرادة غير الرضا.
وهذا مذهب أهل السنة.
قوله تعالى: {وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ} أي يرضى الشكر لكم؛ لأنّ {تشْكُرُوا} يدل عليه.
وقد مضى القول في الشكر في البقرة وغيرها.
ويرضى بمعنى يثيب ويثني، فالرضا على هذا إما ثوابه فيكون صفة فعل {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7] وإما ثناؤه فهو صفة ذات.
و{يَرْضَهْ} بالإسكان في الهاء قرأ أبو جعفر وأبو عمرو وشيبة وهبيرة عن عاصم.
وأشبع الضمة ابن ذكوان وابن كثير وابن محيصن والكسائي وورش عن نافع.
واختلس الباقون.
{وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور} تقدّم في غير موضع. اهـ.

.قال الألوسي:

{خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة}. إلخ. دليل آخر على الوحدة والقهر.
وترك عطفه على {خُلِقَ السموات} [الزمر: 5] للإيذان باستقلاله في الدلالة ولتعلقه بالعالم السفلي، والبداءة بخلق الإنسان لأنه أقرب وأعجب بالنسبة إلى غيره باعتبار ما فيه من العقل وقبول الأمانة الإلهية وغير ذلك حتى قيل:
وتزعم أنك جرم صغير ** وفيك انطوى العالم الأكبر

والمراد بالنفس آدم عليه السلام، وقوله تعالى: {ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} أي حواء فإنها خلقت من قصيري ضلعه عليه السلام اليسرى وهي أسفل الأضلاع على معنى أنها خلقت من بعضها أو خلقت منها كلها وخلق الله تعالى لآدم مكانها عطف على محذوف هو صفة ثانية لنفس أي من نفس واحدة خلقها ثم جعل منها زوجها، أو على {واحدة} لأنه في الأصل اسم مشتق فيجوز عطف الفعل عليه كقوله تعالى: {فَالِقُ الإصباح وَجَعَلَ الليل سَكَنًا} [الأنعام: 96] ويعتبر ماضيًا لأن اسم الفاعل قد يكون للمضي إذا لم يعمل أي من نفس وحدت ثم جعل منها زوجها ورجح بسلامته من التقدير الذي هو خلاف الأصل أو على {خَلَقَكُمْ} لتفاوت ما بينهما في الدلالة فإنهما وإن كانتا آيتين دالتين على ما مر من الصفات الجليلة لكن خلق حواء من الضلع أعظم وأجلب للتعجب ولذا عبر بالجعل دون الخلق فثم للتراخي الرتبي، ويجوز فيه كون الثاني أعلى مرتبة من الأول وعكسه، وقيل إنه تعالى أخرج ذرية آدم عليه السلام من ظهره كالذر ثم خلق منه حواء فالمراد بخلقهم منه إخراجهم من ظهره كالذر فالعطف على {خَلَقَكُمْ} وثم على ظاهرها، وهذا لا يقبل إلا إذا صح مرفوعًا أو في حكمه، وقد تضمنت الآية ثلاث آيات خلق آدم عليه السلام بلا أب وأم وخلق حواء من قصيراه وخلق ذريته التي لا يحصى عددها إلا الله عز وجل، وقوله تعالى: {وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ الأنعام ثمانية أزواج} استدلال بنوع آخر من العالم السفلي، والإنزال مجاز عن القضاء والقسمة فإنه تعالى إذا قضى وقسم أثبت ذلك في اللوح المحفوظ ونزلت به الملائكة الموكلة بإظهاره، ووصفه بالنزول مع أنه معنى شائع متعارف كالحقيقة والعلاقة بين الإنزال والقضاء الظهور بعد الخفاء ففي الكلام استعارة تبعية، وجوز أن يكون فيه مجاز مرسل، ويجوز أن يكون التجوز في نسبة الإنزال إلى الأنعام والمنزل حقيقة أسباب حياتها كالأمطار ووجه ذلك الملابسة بينهما، وقيل يراد بالأزواج أسباب تعيشها أو يجعل الإنزال مجازًا عن إحداث ذلك بأسباب سماوية وهو كما ترى، وقيل الكلام على ظاهره والله تعالى خلق الأنعام في الجنة ثم أنزلها منها ولا أرى لهذا الخبر صحة، والأنعام الإبل والبقر والضان والمعز وكانت ثمانية أزواج لأن كلًا منها ذكر وأنثى، وتقديم الظرفين على المفعول الصريح لما مر مرارًا من الاعتناء بما قدم والتشويق إلى ما أخر، وقوله تعالى: {يَخْلُقُكُمْ في بُطُونِ أمهاتكم} بيان لكيفية خلق من ذكر من الأناسي والأنعام إظهارًا لما فيه من عجائب القدرة، وفيه تغليبان تغليب أولى العقل على غيرهم وتغليب الخطاب على الغيبة كذا قيل، والأظهر أن الخطاب خاص وصيغة المضارع للدلالة على التدرج والتجدد، وقوله تعالى: {خَلْقًا مّن بَعْدِ خَلْقٍ} مصدر مؤكد أن تعلق من بعد بالفعل وإلا فغير مؤكد أي يخلقكم فيها خلقًا مدرجًا حيوانًا سويًا من بعد عظام مكسوة لحمًا من بعد عظام عارية من بعد مضغ غير مخلقة من بعد علقة من بعد نطفة فقوله سبحانه: {خلقا من بعد خلق} لمجرد التكرير كما يقال مرة بعد مرة لا أنه مخصوص بخلقين.
وقرأ عيسى وطلحة {يَخْلُقُكُمْ} بادغام القاف في الكاف {فِى ظلمات ثلاث} ظلمة البطن والرحم والمشيمة، وقيل ظلمة الصلب والبطن والرحم، والجار والمجرور متعلق بيخلقكم، وجوز الشهاب تعلقه بخلقًا بناء على أنه غير مؤكد وكونه بدلًا من قوله تعالى: {فِى بُطُونِ أمهاتكم} {ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ} إشارة إليه تعالى باعتبار أفعاله المذكورة على وجه بدل على بعد منزلته تعالى في العظمة والكبرياء، واسم الإشارة مبتدأ والاسم الجليل خبره و{رَبُّكُمْ} خبر بعد خبر والاسم الجليل نعت أو بدل وهو الخبر أي ذلكم العظيم الشأن الذي عددت أفعاله الله مربيكم فيما ذكر من الأطوار وفيها بعدها ومالككم المستحق لتخصيص العبادة به سبحانه {لَهُ الملك} على الإطلاق في الدنيا والآخرة ليس لغيره تعالى شركة ما في ذلك بوجه من الوجوه والجملة خبر آخر، وقوله تعالى: {لاَ إله إِلاَّ هُوَ} جملة متفرعة على ما قبلها ولم يصرح معها بالفاء التفريعية اعتمادًا على فهم السامع.
وفي إرشاد العقل السليم أنه خبر آخر، والفاء في قوله تعالى: {فَإِنّي تُصْرَفُونَ} لترتيب ما بعدها على ما ذكر من شؤونه عز وجل أي فكيف تصرفون عن عبادته تعالى مع وفور موجباتها ودواعيها وانتفاء الصارف عنها بالكلية إلى عبادة غيره سبحانه من غير داع إليها مع كثرة الصوارف عنها.
{إِن تَكْفُرُواْ} به تعالى مع مشاهدة ما ذكر من موجبات الإيمان والشكر {فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنكُمْ} أي فاخبركم أنه عز وجل غنى عن إيمانكم وشكركم غير متأثر من انتفائهما {وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر} لما فيه من الضرر عليهم {وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ} أي الشكر {لَكُمْ} لما فيه من نفعكم، ومن قال بالحسن والقبح العقليين قال: عدم الرضا بالكفر لقبحه العقلي والرضا بالشكر لحسنه العقلي، والرضا إما بمعنى المحبة أو بمعنى الإرادة مع ترك الاعتراض ويقابلة السخط كما في شرح المسايرة فعباده على ظاهره من العموم، ومنهم من فسره بالإرادة من غير قيد ويقابله الكره وهؤلاء يقولون قد يرضى بالكفر أي يريده لبعض الناس كالكفرة ونقله السخاوي عن النووي في كتابه الأصول والضوابط وابن الهمام عن الأشعري وإمام الحرمين كذا قاله الحفاجي في حواشيه على تفسير البيضاوي.
والذي رأيته في الضوابط وهي نسخة صغيرة جدًّا ما نصه مسألة مذهب أهل الحق الإيمان بالقدر وإثباته وأن جميع الكائنات خيرها وشرها بقضاء الله تعالى وقدره وهو مريد لها كلها ويكره المعاصي مع أنه سبحانه مريد لها لحكمة يعلمها جلا وعلا، وهل يقال إنه تعالى يرضي المعاصي ويحبها فيه مذهبان لأصحابنا المتكلمين حكاهما إمام الحرمين وغيره، قال إمام الحرمين في الإرشاد: مما اختلف فيه أهل الحق إطلاق المحبة والرضاء، فقال بعض أصحابنا لا يطلق القول بأن الله تعالى يحب المعاصي ويرضاها لقوله تعالى: {وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر} ومن حقق من أتنا لم يلتفت إلى تهويل المعتزلة بل قال الله تعالى يريد الكفر ويحبه ويرضاه والإرادة والمحبة والرضا بمعنى واحد قال: والمراد بعباده في الآية الموفقون للإيمان وأضيفوا إلى الله تعالى تشريفًا لهم كما في قوله تعالى: {يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله} [الإنسان: 6] أي خواصهم لأكلهم اه فلا تغفل عن الفرق بينه وبين ما ذكره الخفاجي، وحكى تخصيص العباد في البحر عن ابن عباس.
وقيل يجوز مع ذلك حمل العباد على العموم ويكون المعنى ولا يرضى لجميع عباده الكفر بل يرضاه ويريده لبعضهم نظير قوله تعالى: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار} [الأنعام: 103] على قول، ولعلامة الأعصار صاحب الكشف تحقيق نفيس في هذا المقام لم أره لغيره من العلماء الأعلام وهو أن الرضا يقابل السخط وقد يستعمل بعن والباء ويعدي بنفسه فإذا قلت: رضيت عن فلان فإنما يدخل على العين لا المعنى ولكن باعتبار صدور معنى منه يوجب الرضا في مقابلة سخطت عليه وبينهما فرقان أنك إذا قلت: رضيت عن فلان بإحسانه لم يتعين الباء للسببية بل جاز أن يكون صلة مثله في رضيت بقضاء الله تعالى وإذا قلت: سخطت عليه باساءته تعين السببية فكان الأصل هاهنا ذكر الصلة لكنه كثر الحذف في الاستعمال بخلافه ثمت إذ لا حذف، وإذا قيل: رضيت به فهذا يجب دخوله على المعنى إلا إذا دخل على الذات تمهيدًا للمعنى ليكون أبلغ تقول: رضيت بقضاء الله تعالى ورضيت بالله عز وجل ربا وقاضيًا، وقريب منه سمعت حديث فلان وسمعته يتحدث وإذا عدى بنفسه جاز دخوله على الذات كقولك: رضيت زيدًا وإن كان باعتبار المعنى تنبيهًا على أن كله مرضى بتلك الخصلة وفيه مبالغة وجاز دخوله على المعنى كقولك: رضيت إمارة فلان، والأول أكثر استعمالًا وهو على نحو قولهم: حمدت زيدًا وحمدت علمه، وأما إذا استعمل باللام تعدى بنفسه كقولك رضيت لك هذا فمعناه ما سيجيء إن شاء الله تعالى قريبًا، وإذا تمهد هذا لاح لك أن الرضا في الأصل متعلقة المعنى وقد يكون الذات باعتبار تعلقه بالمعنى أو باعتبار التمهيد فهذه ثلاثة أقسام حققت بأمثلتها وأنه في الحقيقة حالة نفسانية تعقب حصول ملائم مع ابتهاج به واكتفاء فهو غير الإرادة بالضرورة لأنها تسبق الفعل وهذا يعقبه، وهذا المعنى في غير المستعمل باللام من الوضوح بمكان لا يخفى على ذي عينين، وأما فيه فإنما اشتبه الأمر لأنك إذا قلت: رضيت لك التجارة فالمراضي بالتجارة هو مخاطبك وإنما أنت بينت له أن التجارة مما يحق أن يرضى به وليس المعنى رضيت بتجارتك بل المعنى استحمادك التجارة له فالملاءمة هاهنا بين الواقع عليه الفعل والداخل عليه اللام ثم إنه قد يرضى بما ترضاه له إذا عرف وجه الملاءمة وقد لا يرضى، وفيه نجوز إما لجعل الرضا مجازًا عن الاستحماد لأن كل مرضى محمود أو لأنك جعلت كونه مرضيًا له بمنزلة كونه مرضيًا لك فاعلم أن الرضا في حق الله تعالى شأنه محال لأنه سبحانه لا يحدث له صفة عقيب أمر البتة فهو مجاز كما أن الغضب كذلك إما من أسماء الصفات إذا فسر بإرادة أن يثيبهم إثابة من رضي عمن تحت يده وإما من أسماء الأفعال إذا أريد الاستحماد وأن مثل قوله تعالى: {رَّضِىَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} [المائدة: 119] إما من باب المشاكلة وإما من باب المجاز المذكور، وأن مثل قوله سبحانه: {وَرَضِيتُ لَكُمُ الأسلام دِينًا} [المائدة: 3] متعين أن يكون من ذلك الباب بالنسبة إلى من يصح اتصافه بالرضا حقيقة أيضًا فإذن قوله تعالى: {وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر} كلام وارد على نهجه من غير تأويل دال على أنه جل شأنه لا يستحمد الكفر لعباده كما يستحمد الاسلام لهم ويرتضيه، وأما أنه لا يرد الكفر أن يوجد فليس من هذا الباب في شيء ولا هو من مقتضيات هذا التركيب وأن الخروج إلى تخصيص العباد من ضيق العطن وأن قول المحققين رضي الله تعالى عنهم: إن الطاعات برضى الله تعالى والمعاصي ليست كذلك ليس لهذه الآية بل لأن الرضا بالمعنى الأصلي يستحيل عليه تعالى وقد أخبر أنه رضي عن المؤمنين بسبب طاعتهم في مواضع عديدة من كتابه الكريم.